حسن الأمين
62
مستدركات أعيان الشيعة
أن يرى في ابن المغربي رجلا موتورا من الحاكم ، فمن الخير استقباله والحفاوة به ليستقوي به وبمعرفته على مقاومة المد الفاطمي ، وإما أن يرى فيه دسيسة بعثها الفاطميون لإفساد الدولة العباسية ، وكان أن اختار الفرض الثاني مع أن الشواهد كانت ترجح الفرض الأول . ولم يستطع فخر الملك أن يلين قلب الخليفة نحوه ، فخرج إلى واسط ، « وكتب فخر الملك بحراسته هناك ومعرفة حقه » ( 1 ) فأقام في تلك المدينة أياما في درب الواسطيين ( 2 ) ، ولم يكن يحضر الصلاة في مسجد الحي ، فدخل عليه أبو بكر أحمد بن العباس الدوبنائي وقال : يا شيخ ، يا أستاذ ، يا وزير ، مهما شئت كن ، إن كنت تحضر مسجدنا هذا في الصلوات الخمس وإلا فانتقل عنا ، فقال : السمع والطاعة أيها الشيخ ، ثم انتقل عنهم من يومه ( 3 ) ، ولعله في هذه الفترة بواسط تعرف إلى أبي تغلب أحمد بن عبيد الله العاقولي الذي كان خليفة للسلطان والحكام على تلك المدينة ، وكان معظما مفخما ، فأصبح صديقا للمغربي ( 4 ) . وتتصل بالتهمة التي وجهها إليه الخليفة رسالة كتبها في الدفاع عن نفسه وفي دحض أمور ألصقت به . ويفتتح هذه الرسالة بالتعجب من الدهر وأموره ، ثم يثبت أنه بصري عراقي ، وأن النسبة إلى المغرب ليست نسبة إلى بلد أو قطر ، ويتحدث عن جده وأبيه ، وهو شيء قد أفدنا منه في بناء سيرته ، فيما تقدم . ولكن الاتهام الكبير كان منصبا على أنه قد اعتقد التشيع وتدين به ، ولهذا ألح في رسالته على ثقافته الحديثية ، وعلى إحاطته بكتب السنة مثل الموطأ والصحيحين وغير ذلك إحاطة رواية ودراية . ونحن نصدقه وإن كان ما قاله في معرض الرد على التهم . ولكنا نجده حاول جاهدا أن يخفي كل صلة له بالنسب الشيعي - من جهتي الأب والأم - وبالثقافة الشيعية ، وأظن أن موقف الدفاع لم يكن يسمح بذلك ، وإن كان الجو من حوله في الدويلات المختلفة شيعيا . هل اقترن وصول ابن المغربي بتلك الحملة الشعواء التي قام بها القادر بالله ( سنة 402 ) لكتابة محاضر يوقع فيها الأشراف والقضاة والفقهاء والمعدولون بالطعن في نسب الفاطميين ونسبتهم إلى ديصان ؟ ( 5 ) يبدو اقتران الأمرين أو على الأقل وقوعهما في جو واحد ، أما أن نقول إن وصول ابن المغربي هو الذي أثار الحملة ، فلعله يلحق بالمغالاة ، وذلك أن أحداثا أخرى كانت تستدعي ذلك التجريح في النسب ، وأقربها ما كان فعله قرواش في العام السابق ، إذ أظهر طاعة الحاكم وحمل الخطيب على الدعاء لسيدنا ومولانا « إمام الزمان وحصن الايمان وصاحب الدعوة العلوية والملة النبوية عبدك ووليك المنصور أبي علي الحاكم بأمر الله » ( 6 ) . كل ذلك من أجل ثلاثين ألف دينار تسلمها من الحاكم . 2 - قتل الوزير فخر الملك أبو غالب سنة 407 ، واستطاع ابن المغربي أن يصلح حاله ويبرئ ساحته عند الخليفة ، فعاد إلى بغداد وأقام فيها أياما . في هذه الفترة زار البطيحة حيث مهذب الدولة ووزيره أبو القاسم هبة الله بن عيسى ( 7 ) . ويبدو أن وزير البطيحة كان متضايقا من زيارته ، ولهذا اتهمه ابن المغربي بأنه بعث إليه رجلا اسمه سليمان بن الربيع ليسأله في بعض غريب اللغة وحوشيها . وقد وصف ابن المغربي تلك الألفاظ بأنها « لا يتشاغل بمثلها أهل التحصيل ولا يتوفر على تأملها إلا كل ذي تأمل عليل » وعجب كيف يسال عنها رجل غريب عن البطيحة ، وفيها « هبة الله بحر الأدب » ( يعرض بأنه هو مرسلها الحقيقي ) . وقد أجاب عن الألفاظ التي سئل عنها ، ثم قايضه بمثل بضاعته وأزيد ، فامتحنه في اللغة والنحو والنسب والسير والقرآن وعلومه وصناعة الخراج ، فدل بذلك على تعمقه في كل علم واطلاعه على مشكلاته وأسراره . 3 - لم يقم في بغداد إلا أياما ، ثم مضى إلى قرواش بن المقلد أمير العرب ( وهو بالكوفة ) وسار معه إلى الموصل ، وكان ابن أبي الوزير وزيرا لقرواش بها ، فخاف منافسة ابن المغربي له ، فحمل إليه مالا كثيرا ، وأوحى له بالرحيل عن الموصل ( 8 ) وسوف يعود إلى الموصل في زيارة أو زيارات أخرى ، ولكن يبدو أن رسالته تمثل « الانطباع » الأولي لأول وروده إليها : « فوجدت هواءها يعطل سوق بقراط اعتدالا وطيبة ، وماءها يسلي عن مجاج النحل استمراء وعذوبة ، وصقعها قد » تبغدد « رقة ولطفا ، وجوها قد تزندق تنعما وظرفا . . . ورأيت أرضها أطيب الأرض خيما ، وأزينها أديما ، تنسج بالسندس الأخضر ، وتفتر عن الأقحوان الأحر » . وأما رجالها فقد « لطفوا عن بدوية الشام وغلظته ، وجمدوا عن ذوب العراق وخلابته » ولعله كان يرجو أن يقيم في الموصل إذ وجد من يتقن الكتابة فيها قليلين على خلاف حال الشعر ، ونوى أن يعينهم ببعض ما يستطيع تقديمه لهم ، ولكنه وجد المقام فيها متعذرا . 4 - وكانت فترة إقامته في الموصل مديدة يسيرة ، وحين فارقها توجه إلى ديار بكر فأقام عند صاحبها نصر الدولة أبي نصر مدة على سبيل الضيافة . ثم إن نصر الدولة أراد أن يكل إليه تصريف الأمور برسم الوزارة ، فتأبى كثيرا وأظهر تمنعا شديدا ، ثم قبل بعد إلحاح كثير ، وكان زيه حينئذ زي الصوفية أو الزهاد ، أي المرقعة والصوف ، فلم تمض إلا مدة يسيرة حتى عاد إلى أبهة الوزراء ، « وظهر أمره بعد الالتباس ، وانكشفت حاله عند جميع الناس » ( 9 ) . وتورد المصادر هنا أبياتا تنسبها إليه وتجدها مصورة لما جرى له تمام التصوير لأنها تتحدث عن طرح المرقعة ولبس الشفوف ، والهيام في حب غزال لا يرضيه لبس الصوف . هذه المرحلة من حياته في ديار بكر تسمى الدفعة الأولى ، لأنه وزر لنصر الدولة مرتين ( 10 ) ، وأقام في كل مرة مدة طويلة نسبيا في أعلى حال وأجل مرتبة وأعظم منزلة . وفي تلك الدفعة الأولى توجه الوزير إلى بدليس لانجاز بعض المهمات ، فأصابه مرض حاد ، فقد معه قوته وانقطعت شهوته إلى الطعام ، فعاد من بدليس إلى ميافارقين ، لعله إذا وافاه الأجل أن يكون فيها أو قريبا منها ، وقد
--> ( 1 ) بغية الطلب 5 : 26 . ( 2 ) بغية الطلب 5 : 27 . ( 3 ) المصدر نفسه ، وسؤالات الحافظ السلفي : 97 - 98 وفيه لما نزل الوزير المقرئ ولفظة « المقرئ » هنا تصحيف للفظة « المغربي » - أو هكذا قرأها ابن العديم في الأصل الذي نقل عنه . أما محقق السؤالات فيرى أن الوزير المقرئ هو أبو القاسم عيسى بن علي الوزير ويحيل على تذكرة الحفاظ : 1023 . ( 4 ) معجم الأدباء لياقوت 5 : 226 . ( 5 ) المنتظم 7 : 255 . ( 6 ) المنتظم 7 : 250 - 251 . ( 7 ) بما أن هبة الله توفي سنة 406 فقد جعلنا هذه الحادثة في هذه الفترة . ( 8 ) بغية الطلب 5 : 26 والذخيرة 4 : 477 . ( 9 ) خطط المقريزي 2 : 158 . ( 10 ) بغية الطلب 5 : 26 .